يقول عبد الرحمان بن محمد بن خلدون رحمه الله تعالى: "...أما بعد، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال وتسموا إلى معرفته السوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء و الجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق..." مقدمة العلامة ابن خلدون (732 – 808 هـ) (1332- 1406م) ص:15- 16 دار الفكر- بيروت- الطبعة الأولى - طبعة بدون تاريخ

بسم الله الرحمان الرحيم " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" سورة المجادلة 11 

 

يقول النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم:" إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" أخرجه مسلم والبخاري في " الأدب المفرد"وأبو داود والنسائي

 
   

في أفق حلول ذكرى الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب

 

إنجاز : ذ. خالد بن أحمد الصقلي

                                                      كلية الآداب

                                                      ظهر المهراز فاس 

تعتبر الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب من الأحداث التي تميز تاريخ المسلمين. ولا غرو في ذلك فهي فرق بين عهدين، وكانت بمثابة الإعلان عن بداية بروز صفحات جديدة من سجل ذاكرة تاريخ الإسلام ([1])، وفي هذا المقال سأبرز بعض أخبار الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب ثم بعد ذلك سأشير إلى اعتماد الخليفة عمر بن الخطاب للهجرة النبوية كأساس للتاريخ.

فكما هو معلوم فخير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم منذ بداية نزول الوحي في مكة عام 13 ق. هـ/  610م، وهو يؤدي الأمانة ويبلغ الرسالة، فبعد المرحلة السرية التي دامت ثلاثة سنين بدأت مرحلة الجهر التي دامت عشر سنين، وخلالها رفضت قريش جملة وتفصيلا اعتناق هذا الدين الحنيف الذي كشف القناع عن ضلالها وأزاح الستار عن مظالمها وجاء ليزيل البساط من تحت أقدامها.

وعرف هذا الطور المكي في مرحلته الثانية عدة طرق من معارضة قريش لهذا الدين وإذاية أتباعه كما ورد ذلك بتفصيل في أهم مصادر التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، وبفضل بيعتي جماعتين من أفراد قبيلتي الأوس والخزرج في العقبة حدثت الهجرة إلى يثرب.

فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عن المضي في الدعوة إلى اعتناق الإسلام بالرغم من كل ما كان يلاقيه من قريش واستمر يدعو العرب الوافدين إلى الحج ويشرح لهم مبادئ الدين الجديد ويعرض عليهم نفسه، والتقى عليه الصلاة والسلام بنفر من الخزرج عند العقبة فقال لهم الصلاة والسلام : (من أنتم ؟ ) قالوا : ( نفر من الخزرج) قال : (أمن موالي اليهود؟ ) قالوا : (نعم) ، قال : ( أفلا تجلسون أكلمكم ؟) قالوا : (بلى) فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن ، فقال بعضهم لبعض  : (يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه) فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوا وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام . ولما قدم هؤلاء النفر من الخزرج إلى يثرب ذكروا لقومهم ما كان من أمرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم([2]). ولما كان موسم الحج التالي قدم مكة 12 فردا من الأوس والخزرج فاجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فبايعوه فسميت هذه البيعة ببيعة العقبة الأولى أو بيعة النساء([3]).

وكانت بيعة على الالتزام بتطبيق ستة تعاليم إسلامية ([4])، ولم يأخذوا على أنفسهم عهدا بحمايته وبعث معهم مصعب بن عمير بن هاشم يعلمهم الإسلام([5]).

وفي موسم الحج الموالي قدم إلى مكة من يثرب 73 رجل وامرأتان وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال : نعم، والذي بعثك بالحق نبيا، لمنعنك مما نمنع منه أزرنا، وتمت مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ([6])، وكانت مبايعة على هلاك الأموال وقتل الأشراف والاحتمال في كل الأحوال، وعهد صريح في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين إلى يثرب، وقبولهم لأي تحد من قريش أو غيرها([7]).

فلقد أصاب قريش الذعر لما علمت بنبأ هذه البيعة ([8])، ولما اشتد أذى مشركي قريش أمر محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى يثرب واللحاق بإخوانهم من الأنصار وقال لهم:" إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها"([9]). ثم أذن الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب وعلمت قريش أن النبي الكريم عليه السلام يريد اللحاق بأصحابه فقررت بدار الندوة قتله([10]). وفي هذا  الإطار  يقول  الله  تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون   ويمكر الله والله خير الماكرين " ([11]).

وأوحى الله عز وجل إلى رسوله عليه الصلاة والسلام أن لا يبيت بفراشه تلك الليلة التي قرر فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلمالخروج إلى المدينة فأمر علي ابن أبي طالب بأن ينام على فراشه، واجتمع نفر من المشركين أمام منزل النبي  صلى الله عليه وسلم منتظرين خروجه ليثبتوا عليه، فخرج عليهم وأخذ حفنة من تراب في يده وجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو قول الله تعالى الوارد بالآيات التسعة الأولى من سورة يس، ولم يبق رجل منهم إلا وقد وضع على رأسه ترابا.

وتوجه محمد صحبة أبي بكر الصديق إلى غار ثور واختفيا فيه ولما علمت قريش بخروجه صلى الله عليه وسلم جعلت مكافأة قدرها مائة ناقة لمن يأتيه به حيا أو ميتا. ووصل بعض رجال قريش إلى جبل ثور، فاستولى الخوف من قبل أبي بكر الصديق على حياة محمد عليه الصلاة والسلام فطمأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدأ من روعه كما يشير إلى ذلك الله تعالى قائلا : " إلا تنصروه فقد نصره الله غذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم "([12]).

وقضى خير الأنام عليه الصلاة والسلام صحبة أبي بكر بالغار ثلاثة أيام فجاءهما الدليل عبد الله بن أريقط بالراحلتين فسلك بهما طريقا محاذيا لساحل البحر الأحمر([13])، ويمر هذا الطريق عبر مناطق غسفان والجحفة والعرج، ووصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء يوم الاثنين 12 ربيع الأول الموافق 24 شتنبر عام 622 م([14]).

ولقد نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في الهجرة إلى يثرب تلك الهجرة التي تعتبر نقطة تحول في تاريخ الإسلام وبداية لذلك النصر العظيم الذي حققه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فقد أعز الله تعالى الإسلام بهذه الهجرة المباركة وأعز نبيه بالأنصار والمهاجرين وبمن دخل في دين الله تعالى من قبائل العرب([15]).

ولما استقر خير الأنام صلى الله عليه وسلم بيثرب أصبحت تسمى بالمدينة([16])، واعتبر عند المسلمين العام الذي هاجر فيه عليه السلام هو بداية التأريخ الهجري عند المسلمين كما يشير إلى ذلك الطبري([17])، ولما برز علم التاريخ عند المسلمين في العصر العباسي اعتمد المؤرخون النظام الحولي في التأريخ عن طريق اعتماد السنة الهجرية في التدوين.

وتجدر الإشارة أنه بخصوص اعتماد التأريخ الهجري كأساس للتأريخ والتقويم فيعزى الفضل إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا الاعتماد، نظرا لكون المسلمين كانوا يعتمدون على السنة القمرية ويقول الله تعالى : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم "([18])، روى محمد بن سيرين عن أبي بكر أن رسول الله قال :" ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان "([19])، وأكد على ذلك صلى الله عليه وسلم ضمن خطبة حجة الوداع([20]).

ويقول عمر ابن الخطاب :" الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا لها". وقد اختار المسلمون شهر المحرم كبداية للسنة الهجرية على الرغم من أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم حدثت في ربيع الأول، فالمحرم هو من الأشهر المحرمة الأربعة، وهو أول شهر في العدة ومنصرف الناس من الحج([21]).

وهناك نص تاريخي مفيد ورد في  كتاب :" الكامل في اللغة والأدب " حول اعتماد عمر بن الخطاب للتاريخ الهجري كأساس للتأريخ والتقويم يقول مؤلفه محمد بن يزيد المعروف بالمبرد (المتوفى عام 286هـ) حول هذا الاعتماد :" فأما التاريخ الذي يؤرخ به اليوم، فأول من فعله في الإسلام عمر بن الخطاب رحمه الله، حيث دون الدواوين ، فقيل له : لو أرخت يا أمير المؤمنين لكنت تعرف الأمور في أوقاتها، فقال : وما التاريخ ؟ فأعلم ما كانت العجم تفعل. فقال : أرخوا، فقالوا : منذ أي سنة ؟ فأجمعوا على سنة الهجرة لأن الوقت الذي حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير تقية، ثم قالوا : في أي شهر؟ فقالوا: نستقبل بالناس أمورهم في شهر المحرم إذا انقضى حجمهم، وكانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الآخر، والذي اتفق عليه أن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول، وفيه مات صلى الله عليه وسلم فقدم التاريخ على الهجرة هذه الأشهر وجاء في تصحيح هذا الوقت أعني المحرم ما روي عن ابن عباس رحمه الله، فإنه قال في قول الله عز وجل : "والفجر وليال عشر " ، قال : فأقسم بفجر السنة وهو المحرم"([22]).

هكذا يتضح لنا أهمية الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب في تاريخ الإسلام وهي هجرة بما تحمله من دروس وعبر ظلت عند المسلمين معظمة ومحتفل بها، ولا غرو في ذلك فقد كانت فاصلة بين عهدين وبمثابة الإعلان عن بداية بروز صفحات جديدة في سجل ذاكرة تاريخ الإسلام على كل المستويات، ولقد تأسست الدولة الإسلامية وتواصل نشر رسالة الإسلام وحقق المسلمون انتصارات كبيرة في مشارق الأرض ومغاربها ونظرا لأهميتها فقد ظلت هذه الهجرة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب هي أساس التأريخ عند المسلمين.

هوامش المقال  


[1] - انظر : عبد الملك بن هشام :" السيرة النبوية، ج 2/ ص (80 81) ، مطبعة الحلبي، القاهرة، 1375هـ/1955م.

[2] - انظر : محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 2/ ص 355 ، طبع دار الفكر، دمشق : 1399 هـ/ 1979م.

[3] - انظر : ابن هشام ، مصدر السابق، ج 2/ ص 73 .

[4] - ورد ذكرها في الآية 12 من سورة الممتحنة .

[5] - انظر : ابن هشام ، مصدر سابق، ج 2/ (76 89 ).

[6] - انظر : نفسه ج 2، ض (84 85) .

[7] - رشيد عبد الله الجميلي ، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، ص 121، مطبعة المعارف ، الرباط، الطبعة الأولى، 1403هـ/1983م.

[8] - انظر : ابن هشام ، مصدر سابق، ج 2، ص : 30 .

[9] - انظر : نفسه ، ج 2/ ص : 110 .

[10] - الآية : 11 من سورة الأنفال.

[11] - انظر : الطبري، مصدر سابق، ج 1، ص (372 373) .

[12] - الآية : 40 من سورة التوبة. 

[13] - انظر : ابن هشام ، مصدر سابق، ج 2/ ص ( 136-137) .

- حسن إبراهيم حسن : (تاريخ الإسلام) ، ج 1/ ص (99 101) ، طبع مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1387 هـ/ 1967 م.

[14] - انظر : ابن هشام، مصدر سابق، ج 2/ ص (136-137) .

[15] - انظر : أطلس تاريخ الإسلام لحسين مؤنس ، 63 الخريطة رقم 39 ، مطبعة الزهراء للإعلام العربي، القاهرة ، طبعة بدون تاريخ.

[16] - الجميلي : مرجع سابق، ص 124 .

[17] - مقدمة عبد الرحمان  ابن خلدون، ص : 283  .

[18] - الطبري : مصدر سابق، ج 2، ص 382 .

[19] - الآية : 36 من سورة التوبة .

[20] - إسماعيل ابن كثير القرشي : تفسير القرن العظيم، ج 2، ص : 353، طبع دار المعرفة، بيروت 1400هـ/1980م. .

[21] - الجميلي : مرجع سابق، ص : 206 .

[22] - الجزء الأول / ص (325 326) من كتاب الكامل في اللغة والأدب لمحمد بن يزيد المبرد، طبع دار العلم، طبعة بدون تاريخ  .

 


Copyright 1426 - 2005. All Rights Reserved.
www.attarikh.tk